سهيلة عبد الباعث الترجمان
437
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
الذي هو جليسه فليس بذاكر ، فإن ذكر اللّه سار في جميع العبد " « 1 » . وهكذا فإن ذكر اللّه كما يراه يؤدي إلى الفناء عن الوجود ، إذ أن الذاكر لا يزال يردد اسم اللّه بلسانه ثم بقلبه معا ، وعندما يكلّ اللسان وينعقد عن الذكر ينطق القلب به وحده حتى يملأ ذكر اللّه كيان العبد الروحي وكل جزء من أجزائه ، فتغلب عليه حال الوجد ويفنى عن وجوده « 2 » . يقول ابن عطاء اللّه السكندري في هذا الصدد " إنّ الذكر من شأنه أن يوصل الذاكر إلى حال ينتظم له فيه شمل العالم في نطاق واحد ، فلا يرى بعين رأسه بل يرى بعين قلبه وجود الواحد الذي لا وجود لغيره " « 3 » . وهذا التحقق بشهود الأحدية لا يكون بطريق استدلال منطقي أو نظر عقلي ، إنما يتحقق عن طريق حال ذوقي خاص به لا يشاركه فيه غيره من الناس ، وهذا هو علم اليقين حيث تكتمل معرفة اللّه للعبد لأنه عين الدليل عليه ، وهو إثبات ذات غير مكيفة ولا معلومة الماهية ، ومحكوم عليها بالألوهية سلطانا وحجة لا ريب فيه ، ويصل بعد إلى عين اليقين حيث تتجلى المشاهدة ، يقول : " عين اليقين مشاهدة هذه الذات بعينها ، لا بعينك . . . فناء كليا . لا يعقل معها نسبة ألوهية إثباتا أو نفيا ، لكن مشاهدة تفني الأحكام والرسوم ، وتمحق الآثار " فيحصل بذلك حق اليقين " وهو نسبة الألوهية لهذه الذات بعد المشاهدة لا قبلها ، وهو الفرق بين العلم والحق ليس إلّا " « 4 » . وبعدها يصل العبد إلى حقيقة اليقين حيث يقوم ظهور الانفعالات عند العبد الكلي عن غيبته فيه به غيبا كليا وفناء محققا ، وهذه غاية المراتب " « 5 » . ويفرد ابن عربي لأهل الشهود مكانة في المعرفة يختصهم بها لمقدرتهم على الفناء ، وهذه المعرفة ليست مشاعة إنما هي اختصاص لمن هم أهل لها . لذلك فهو
--> ( 1 ) ابن عربي ، فصوص الحكم ، ص 169 . ( 2 ) عفيفي ( أبو العلا ) ، التصوف الثورة الروحية ، مرجع سابق ، ص 263 . ( 3 ) التفتازاني ( أبو الوفا ) ، ابن عطاء اللّه السكندري وتصوفه ، مكتبة القاهرة الحديثة ، 1958 ، ص 257 . ( 4 ) ابن عربي ، كتاب التنزلات الليلية في الأحكام الإلهية ، تقديم عبد الرحمن حسن محمود ، مصر ، ص 73 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 73 .